كواليس صدمة لوسيه.. كيف حوّلت فيراري سخرية الإنترنت إلى ملايين في الخزينة؟

​​لم يكن الأسبوع الماضي عادياً في مارانيللو؛ فالمكان الذي اعتاد أن ينبض بصوت محركات الـ V12 الأسطورية كان شاهداً على واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في تاريخ صناعة السيارات. فبمجرد أن أزاحت فيراري الستار عن أيقونتها الكهربائية الأولى لوسيه (Luce)، انفتحت بوابات الجحيم الافتراضي على الإنترنت. واندلعت موجة عارمة من الانتقادات والتهكم التي لم تسلم منها حتى أسهم الشركة في البورصة، والتي تراجعت مؤقتاً تحت وطأة الصدمة.

شعار فيراري في مرمى السخرية.. لولا الحصان الجامح لما عرفنا السيارة!

في عالم السيارات يرتبط اسم فيراري بالجمال الإيطالي الخالد والخطوط الانسيابية التي تبدو كأنها نُحتت بفعل الرياح. لكن لوسيه جاءت لكسر كل هذه القواعد التصميم المستقبلي الذي مال إلى العملية وزيادة المساحة الداخلية والكفاءة الانسيابية، على حساب الشراسة المعتادة جعله مرمى لسهام النقاد وعشاق العلامة الراديكاليين.

​ولم تتوقف الانتقادات عند مجرد تعليقات عابرة لرواد منصات التواصل الاجتماعي؛ بل جاءت الطعنة الأقوى والنافذة من قمة الهرم الإداري السابق للشركة، حيث خرج رئيس شركة فيراري السابق، لوكا كورديرو دي مونتيزيمولو، ليوجه هجوماً لاذعاً وغير مسبوق للإدارة الحالية وللتصميم الجديد صدم به الأوساط الصحفية ومجتمع السيارات، مطالباً إياهم بنبرة غاضبة ومتهكمة “انزعوا شعار الحصان الجامح عن هذه السيارة!”.

​رئيس الشركة السابق اعتبر أن الطراز الكهربائي الجديد قد تجرد تماماً من جينات مارانيللو العريقة، وباع هوية الصانع الإيطالي. مستطرداً بسخرية لاذعة: “الشيء الوحيد الحقيقي في هذه السيارة والذي يذكرنا بفيراري هو شعار الحصان الجامح.. من الجيد أنهم تذكروا تركه على الهيكل لنعرف هويتها فلولا وجوده لما ميزها أحد!”، في إشارة إلى أن السيارة بدون الشعار تبدو كأي سيارة كهربائية حديثة ولا تمت بصلة لتاريخ الحصان الجامح.

والحقيقة أن فيراري ليست وحدها في هذا المأزق فعلامات مثل جاغوار بطرازها (Type\ 001) ومرسيدس-AMG يواجهون نفس الأزمة البصرية مع التحول الكهربائي. فالسيارة الكهربائية تتطلب بطاريات ضخمة وثقيلة تفرض أبعاداً هندسية يصعب معها الحفاظ على الأبعاد المدمجة الكلاسيكية لسيارات البنزين.

رئيس شركة فيراري السابق لوكا كورديرو دي مونتيزيمولو
رئيس شركة فيراري السابق لوكا كورديرو دي مونتيزيمولو

​لعبة ذكاء أم اضطرار؟.. فلسفة القتل العمد للجمال الكلاسيكي

أما خلف كواليس التصميم؛ يرى المحللون أن فيراري قد تكون تعمدت تقديم هذا التصميم الصادم لحماية إرثها فلو بدت لوسيه الكهربائية شبيهة بطرازات الاحتراق الداخلي لاعتبرها الجمهور بديلًا صامتاً وأدنى كفاءة يهدد روح العلامة.

لذلك فصلت الشركة المسارين تماماً؛ فتركت التصميم الكلاسيكي والشراسة لمحركات الـ V8 والـ V12، بينما جعلت لوسيه منتجاً منفصلاً يركز على أسلوب الحياة الفاخر والتكنولوجيا، مستهدفة جيلاً جديداً أصغر سناً وأكثر شغفاً بالمستقبل. كما أنها ابتعدت عن صراع الأرقام القياسية في الحلبات مع سيارات مثل ريماك أو “شاومي SU7\ Ultra”.

حتى في الصوت؛ رفضت فيراري تزييف نغمة الـ V12، بل طورت بروفايل صهير صوتي يعتمد على مستشعرات تسارع لالتقاط اهتزازات المحرك الكهربائي والشاسيه وتضخيمها، ليولد نغمة مستقبلية فريدة وصفتها منصة موتور 1 إيطاليا بأنها الهوية الجديدة للعلامة.

فيراري لوسيه الكهربائية
فيراري لوسيه الكهربائية

​الغرفة المغلقة في روما.. أموال العملاء تتحدث

​وبينما كان الإنترنت يضج بالانتقادات وسخرية كبار المصممين كان المشهد داخل غرف فيراري المغلقة في روما مختلفاً تماماً. حيث استدعت الشركة نحو 1,600 من صفوة عملائها ومجمعي سياراتها الأوفياء ليروا السيارة على الطبيعة قبل فتح دفاتر الحجز.

هنا حدثت المفارقة؛ فالزبائن الذين يملكون المال الفعلي لم يهتموا بـ “تريندات” الإنترنت ولا بتحليلات اليوتيوب. وفي تصريح مقتضب لخص الرئيس التنفيذي الحالي لفيراري، بينيديتو فيجنا، الموقف قائلاً: “الاهتمام قوي جداً والتحويلات البنكية بدأت تتدفق بالفعل إلى حساباتنا.. العملاء الذين شاهدوا السيارة على الطبيعة أرادوا امتلاكها فوراً”. مشيراً إلى أن السعر الذي يناهز 550,000 يورو (حوالي 640,000 دولار) لم يمنع حتى عملاء جدد من دخول عالم فيراري لأول مرة، ووعد بالكشف عن الأرقام الرسمية في يوليو المقبل.

الرئيس التنفيذي لفيراري بينيديتو فيجنا
الرئيس التنفيذي لفيراري بينيديتو فيجنا

​مقامرة بـ 230 مليون دولار

​مع التباطؤ العالمي في سوق السيارات الكهربائية الفاخرة،  وتراجع شركات مثل بورشه ولامبورغيني ومازيراتي عن خططها الكهربائية، بل وضغط رابطة مصنعي السيارات الأوروبية (ACEA) لتخفيف قيود الانبعاثات؛ ثارت شائعات بأن فيراري تعمدت إفشال السيارة لتثبت للمشرعين أن المحركات الكهربائية لا تصلح لها.

​لكن الأرقام على أرض الواقع تنفي ذلك تماماً فمارانيللو ضخت استثمارات ضخمة شملت بناء منشأة تصنيع جديدة بالكامل متخصصة في التقنيات الكهربائية (E-building) بتكلفة بلغت 230 مليون دولار فضلاً عن تأجيل سيارتها الكهربائية الثانية حتى عام 2028 لضمان نضج التقنية تكنولوجياً.

في النهاية تثبت هذه القصة أن نموذج عمل فيراري لا يكترث بالإجماع العام؛ بل يعتمد على الحصرية وقوة التسعير. فالتصميم الذي رآه البعض غريباً وسخر منه كبار خبراء التصميم، تحول إلى ميزة تصفية ذكية جعلت الأثرياء والمتبنين الأوائل للتكنولوجيا يتسابقون لدفع الملايين لحجز مكانهم في عصر فيراري الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى