انتقال استراتيجى يهز كواليس فورميلا وان

يشهد عالم فورميلا وان مرحلة إعادة تشكيل هادئة لكن عميقة، لا تُقاس فقط بحركة السائقين أو تطور السيارات، بل بانتقالات العقول المدبرة داخل كواليس الفرق الكبرى.

وفى هذا السياق، يبرز خبر مغادرة ويل كورتني لفريق ريد بُل وانتقاله إلى مكلارين كمدير رياضى، خطوة تحمل دلالات استراتيجية تتجاوز كونها تغييراً وظيفياً تقليدياً، وتمتد آثارها إلى ملامح موسم 2026 وما بعده.

منذ سنوات، شكل ريد بُل نموذجاً متكاملاً للنجاح المؤسسى، حيث لم يكن التفوق وليد الأداء على الحلبة فقط، بل نتيجة منظومة إدارية دقيقة تُدار بعقلية سباق لا تعرف التراخى. داخل هذه المنظومة، لعب ويل كورتنى دوراً محورياً فى إدارة العمليات الرياضية، وتنظيم العلاقة بين الفريق، والاتحاد الدولى، وبقية الفاعلين فى المشهد. وجوده كان جزءاً من الاستقرار الذى سمح لريد بُل بتحويل السرعة إلى ألقاب، والموهبة إلى سيطرة مستمرة.

لكن عالم فورميلا وان لا يعترف بالثبات طويلا، ومع اقتراب لوائح 2026، التى تمثل أكبر تحول تقنى وتنظيمي منذ أكثر من عقد، بدأت الفرق تعيد ترتيب أوراقها مبكرا، وهنا يظهر انتقال كورتني إلى مكلارين كخطوة محسوبة فى مشروع طويل الأمد.

مكلارين، الفريق العريق الذى يحمل إرثاً ثقيلاً من البطولات، يعيش منذ عدة مواسم حالة صعود تدريجى بعد سنوات من التذبذب، الإدارة الحالية تدرك أن العودة إلى القمة لا تتحقق بالمحركات والتصميم فقط، بل ببناء هيكل رياضى قوى قادر على قراءة اللوائح، واستغلال التفاصيل التنظيمية، وإدارة الأزمات قبل أن تنفجر.

تعيين ويل كورتنى يأتى فى هذا الإطار، كرسالة واضحة بأن الفريق يستعد مبكراً لمعركة 2026، ليس على الحلبة فقط، بل فى غرف الاجتماعات أيضا.

اللافت أن هذا الانتقال يعكس تحولاً أعمق فى فلسفة المنافسة. ففى عصر اللوائح المعقدة، والميزانيات المقيدة، أصبحت المناصب الإدارية العليا ذات تأثير لا يقل عن تأثير السائق النجم. كورتنى مدير رياضى متمرس، بخبرته فى ريد بُل، يحمل معه فهماً عملياً لكيفية ادارة فريق فائز تحت ضغط دائم، وأن يصنع فارقاً فى الاحتجاجات القانونية، وفى تفسير القوانين، وفى إدارة الموارد البشرية داخل هذا الفريق.

فى المقابل، لا يعنى رحيله أن ريد بُل تدخل فى مرحلة ضعف، لكنه يؤكد أن الهيمنة لا تمنع تقاطع الطموحات الفردية للعناصر القيادية مع مشاريع طموحة لفرق منافسة. التأثير الحقيقى لهذا الانتقال ستحدده كيفية تعويض ريد بُل لهذا الفراغ، ومدى قدرة مكلارين على ترجمة هذه الإضافة إلى مكاسب ملموسة على أرض الواقع.

فى المحصلة، لا يمكن قراءة انتقال ويل كورتنى بمعزل عن السياق العام لفورميلا وان. فبينما تتركز الأضواء دائماً على السائقين والسيارات، تتحرك فى الظل أسماء تصنع الفارق بهدوء.

انتقال كورتني إلى مكلارين هو أحد تلك التحركات التى تحمل فى طياتها ملامح سباق طويل بدأ بالفعل، قبل أن تنطفئ أضواء الانطلاق الأولى.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى