مصنع نيسان–مرسيدس يتحول إلى جائزة استراتيجية في صراع العمالقة
تتحول المكسيك في الآونة الأخيرة إلى ساحة صراع استراتيجي محتدم بين أقطاب صناعة السيارات الصينية والقوى الاقتصادية في أمريكا الشمالية، حيث تسابق شركات كبرى مثل بي واي دي وجيلي الزمن لتأمين قواعد تصنيع كبرى فوق الأراضي المكسيكية.
هذا التحرك لا يستهدف فقط تلبية الطلب المتزايد في السوق المحلي المكسيكي الذي شهد طفرة في مبيعات السيارات الصينية، بل يمثل خطوة استباقية ذكية للالتفاف على جدار الحماية الجمركي الذي تنتهجه واشنطن ضد المنتجات القادمة مباشرة من بكين. وتتركز الأنظار حالياً على ولاية أغواسكاليينتس، حيث دخلت شركتا “بي واي دي” و”جيلي”، إلى جانب “فين فاست” الفيتنامية، في منافسة شرسة للاستحواذ على مصنع التجميع الضخم الذي كان يدار بموجب شراكة بين “نيسان” و”مرسيدس-بنز”، والذي يمتلك طاقة إنتاجية تتجاوز مائتي ألف سيارة سنوياً، مما يجعله جائزة كبرى تمنح المشتري قدرة فورية على الإنتاج الواسع دون انتظار سنوات من التشييد.
استراتيجية الالتفاف.. كيف يكسر التنين الصيني قيود الجمارك الأمريكية؟
ويأتي هذا الاندفاع الصيني نحو التصنيع المحلي داخل المكسيك مدفوعا بضغوط اقتصادية وسياسية متزايدة، إذ فرضت الحكومة المكسيكية رسوما جمركية تصل إلى خمسين بالمئة على السيارات القادمة من دول لا ترتبط معها باتفاقيات تجارة حرة، في خطوة فُسرت على أنها محاولة لمواءمة السياسات التجارية مع تطلعات واشنطن من جهة، وتحفيز الشركات الصينية على ضخ استثمارات مباشرة وتوفير وظائف محلية من جهة أخرى.
هذا التوجه دفع عمالقة بيكين للتحول من منطق التصدير إلى منطق “التوطين”، سعيا للاستفادة من المزايا التي تمنحها اتفاقيات التجارة الحرة في أمريكا الشمالية، والتي قد تسمح لهذه السيارات بدخول الأسواق الأمريكية والكنادية برسوم مخفضة حال استيفائها لنسب المكون المحلي المطلوبة.

المكسيك توازن بين استثمارات بيكين وغضب واشنطن
في المقابل، يراقب البيت الأبيض هذه التحركات بحذر شديد، ممارساً ضغوطاً مكثفة على الحكومة المكسيكية لمنع الشركات الصينية من استخدام المكسيك كبوابة خلفية لإغراق السوق الأمريكي بسيارات منخفضة التكلفة وعالية التكنولوجيا. وتجد الإدارة المكسيكية نفسها في موقف حرج؛ فهي من جهة تحتاج إلى هذه الاستثمارات الضخمة لتعويض خسائر الوظائف التي ضربت القطاع العام الماضي، ومن جهة أخرى تخشى الصدام مع واشنطن، خاصة مع اقتراب مراجعة اتفاقية التجارة الحرة (USMCA). وتشير الكواليس السياسية إلى وجود توصيات حكومية بتأجيل البت في بعض عروض الاستحواذ الصينية لتجنب أي أزمات دبلوماسية مع الشريك الأمريكي الأكبر.
هل تصبح المكسيك عاصمة السيارات الكهربائية؟
وعلى الرغم من هذه التحديات الجيوسياسية، تواصل شركة بي واي دي خططها لإنشاء مركز تصنيع إقليمي يعزز وجودها في القارة الأمريكية، بينما تعتمد جيلي على نجاحاتها التسويقية الكبيرة في المكسيك لدفع مورديها الصينيين لفتح فروع لهم هناك، مما يساهم في بناء نظام بيئي صناعي متكامل يقلل الاعتماد على سلاسل التوريد العابرة للمحيطات.
إن هذا المشهد يعكس تحولاً جذرياً في قطاع السيارات العالمي، حيث لم يعد النجاح يعتمد فقط على التفوق التقني، بل على القدرة على المناورة في المناطق الرمادية للتجارة الدولية، مما يجعل من المكسيك اليوم المختبر الحقيقي لمستقبل صناعة السيارات الكهربائية والذكية في مواجهة السياسات الحمائية العالمية.



